كان المنافس الأكبر لها في الشارع المصري.. لماذا تكره الجماعة إمام الدعاة ؟!
تنبأ بسقوط مدوٍ للإخوان.. وحذر مبكرا من خلط الدين بالسياسة
الخرباوي: صُدم بحوادث الاغتيال.. وكان ضد أي جماعة تحتكر الإسلام أو تتحدث باسمه
البشبيشي: فضح زيفهم.. ومقولته الشهيرة "إنهم لا يسمعون إلا حناجرهم" خالدة الى اليوم
أبو السعد: رأوا فيه تهديدًا لاحتكارهم للخطاب الديني حين توهموا أنهم الأوصياء عليه
الكتاتني: كان هدفًا لعداء الإخوان منذ بداياته فبدأوا في اغتياله معنويًا
الشيخ محمد متولي الشعراوي إمام الدعاة استثناءً فريدًا، عالمًا ربانيًا يرى ببصيرته ما لا يراه السياسيون ببصرهم. لم يكن مجرد مفسرٍ للقرآن، بل كان مفكرًا وطنيًا متوازنًا أدرك مبكرًا خطر الجماعات التي رفعت شعار الدين للوصول إلى الحكم، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين.
لقد رفض الشعراوي أن يُختطف الإسلام إلى مضمار السياسة، وقال بوضوحٍ: "حين يتحول الدين إلى شعار سياسي، يصبح وسيلة للمزايدة لا وسيلة للهداية".
في ثلاثينيات القرن الماضي، ومع صعود جماعة الإخوان في أوساط الطلبة بالأزهر، كان الشعراوي شابًا متوقد الذهن، يتابع المشهد دون انخراطٍ تنظيمي، فقد لاحظ أن فكر حسن البنا يميل إلى بناء كيانٍ سياسي ينافس الدولة، لا يساندها، وروى أحد تلاميذ الشعراوي عنه قوله: "الإسلام أوسع من جماعة، وأرحب من حزب، وأشرف من أن يُستغل شعارًا لمطامع بشرية"
هكذا رسم الشيخ الشعراوي منذ شبابه الحد الفاصل بين الدعوة الخالصة لله، وبين التنظيم السياسي الإخواني الذي يوظّف الدين لأهداف دنيوية، ومن أكثر العبارات التي التصقت بالإمام الشعراوي في تقييمه لجماعة الإخوان مقولته الشهيرة:"إنهم لا يسمعون سوى حناجرهم"، قالها تعليقًا على من يرفضون الحوار أو النقد، ويتوهمون امتلاك الحقيقة المطلقة، وحين سُئل عنها لاحقًا، أوضح أنه يقصد كل من جعل صوته أعلى من علمه، وظنه أهدى من سواه.
رفض "القطبية"
وكشف الشيخ عبد الرحيم الشعراوي، في حديثٍ سابق أن والده كان دائم التحذير من الانسياق وراء المظاهر الزائفة قائلاً:"يا بني، ليس كل من أطال لحيته صار عالمًا، ولا كل من رفع راية الدين أصبح صادقًا".
لم يخفِ الإمام الشعراوي رفضه القاطع لأفكار سيد قطب التي اعتبرها دعوة إلى الصدام مع المجتمع وتكفير الدولة، فقد قال في أحد أحاديثه الإذاعية القديمة: "من يجعل الناس أعداءه باسم الدين فقد أساء إلى دينه قبل أن يسيء إلى وطنه"، فكانت هذه العبارة بمثابة إعلان فكري واضح ضد تيار "القطبية" الذي تبنته جماعة الإخوان في الستينيات، ورأى الشيخ أن الدعوة الحقة لا تكون بإسقاط الحكومات، بل بإصلاح النفوس، قائلاً: "الإسلام لم يأتِ ليهدم، بل ليُهذّب ويُهدي".
كان الشيخ الشعراوي يرى أن حب الوطن عبادة، وأن الحفاظ على مؤسسات الدولة واجبٌ شرعي، وفي إحدى لقاءاته مع الشباب قال: "من يظن أن إقامة الخلافة تعني هدم الوطن، فهو لا يعرف الإسلام، لأن الإسلام جاء ليقيم العدل لا ليزيل الحدود"، وبهذه الرؤية، وضع الإمام حدًا فاصلاً بين الدين كمنهج حياة، والسياسة كمجال صراع على النفوذ، فلم يكن أبدًا تابعًا لسلطة، لكنه كان نصيرًا للوطن.
نبؤة تحققت
بعد رحيل إمام الدعاة عام 1998، حاول بعض قادة الإخوان نسب فكره إليهم، مدّعين أنه "إمام الصحوة الإسلامية"، لكن أسرته سارعت لتصحيح الصورة، حيث أكد حفيده الشيخ محمد عبد الرحيم الشعراوي أن جده كان يرى في الإخوان خطرًا على الدين والوطن معًا، وقال: "جدي كان يقول: كل من جعل الدين هدف للوصول إلى الحكم، فقد أساء إلى الدين مرتين؛ مرة حين استخدمه، ومرة حين فشل باسمه".
أدرك الشيخ الشعراوي أن الناس لا تحتاج إلى خطبٍ سياسية بل إلى فهمٍ ديني وسطي يقرّبهم من الله، ولذلك ظلّت برامجه التلفزيونية الأعلى مشاهدة لعقود، فيما تراجعت الجماعات الدينية التي حوّلت الدين إلى شعارٍ للصراع السياسي، فلقد كسب الشيخ قلوب الناس بالبساطة والإخلاص، بينما خسرت الجماعة ثقة الشعب بالانقسام والتعالي.
اليوم، وبعد مرور أكثر من ربع قرن على وفاته، تبدو رؤية الإمام الشعراوي عن الإخوان وكأنها قراءة مسبقة لما حدث لاحقًا، فقد انهارت جماعة الاخوان في ثورة ٣٠ يونيو٢٠١٣ بعد عام واحد من وصولها للحكم، حين قدّمت السلطة على الدعوة، والسياسة على الدين، تمامًا كما حذّر الشيخ الشعرواى الذي قال ذات مرة: "حين يتحول الدين إلى وسيلة، تضيع الغاية، وتضيع الأمة معها"،
فسيظل رمزًا للعالم الأزهري المستنير، الذي قدّم الإسلام في صورته الحقيقية: دين الوسطية والرحمة، لا العنف والوصاية، فلم يكن تابعًا لجماعة، بل كان ضمير أمةٍ بأكملها، ترك للأجيال درسًا
خالدًا مفاده أن الدين لا يُحتكر، وأن صوت العقل هو صوت الإيمان الحق وان "من يزرع الفتنة بين أبناء الوطن لا يُحسب على الدين ولو حفظ القرآن كله".
احتكارهم للدين
ويقول د. ثروت الخرباوي، عضو مجلس الشيوخ والمتخصص في شئون الجماعات الإسلامية والتنظيمات المتطرفة، إن فضيلة الإمام الراحل الشيخ محمد متولي الشعراوي كان من خيرة ابناء
الأزهر الشريف، ومن أبرز رموزه الفكرية والدعوية في القرن العشرين، موضحا أن الخلاف بين الشعراوي والجماعة يعود إلى أربعينيات القرن الماضي، حين كانت الجماعة تسعى لاحتكار الدين، وتتعامل باعتبارها الوصية الوحيدة على الإسلام، بينما كان الأزهر ورجاله المخلصون يمثلون المدرسة الوسطية الحقيقية.
وأضاف الخرباوي، أن الجماعة كانت تكره كل شخصية دينية لها تأثير واسع على الناس، لأنها كانت ترى في ذلك خصمًا من رصيدها الشعبي. وكان الإمام الشعراوي يتمتع بمحبة جماهيرية جارفة وتقديرا واسعا داخل مصر وخارجها، وتأثيره في الناس كان أكبر من تأثير الجماعة نفسها، وهو ما جعلها تكن له العداء منذ وقت مبكر، مشيرا إلى أن الخلاف بين الشعراوي والإخوان تجدد في سبعينيات القرن الماضي في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، عندما تولى الشعراوي وزارة
الأوقاف في ذلك الوقت، حيث حاول مرشد الجماعة آنذاك عمر التلمساني تطويع الوزارة لخدمة أهداف الإخوان، غير أن الإمام رفض ذلك تمامًا، وأعلن موقفه الواضح بأنه ضد أي جماعة تحتكرالإسلام أو تتحدث باسمه.
وقال الخرباوي إنه كان شاهد عيان على تلك المرحلة في سبعينيات القرن الماضي، مؤكدًا أن الإخوان بعد فشلهم في استمالة الشعراوي، شنوا ضده حملة اغتيال معنوي من خلال الشائعات ومحاولات التشويه، إلا أن تلك الحملات فشلت أمام المكانة الكبيرة التي كان يتمتع بها الإمام في قلوب المصريين والعالم العربي.
شعبيته الجارفة
من جانبه قال طارق البشبيشي الخبير في شئون الجماعات الإسلامية والتنظيمات المتطرفة، إن جماعة الإخوان كانت دائمًا تحمل عداءً دفينًا للإمام الراحل، ذلك العالم الجليل الذي احتل مكانة فريدة في قلوب المصريين والعرب والمسلمين، ليس فقط بعلمه وتفسيره العميق للقرآن الكريم، وإنما أيضًا بزهده وصدقه وبساطته وقربه من الناس، مؤكدا أن الإخوان رأوا في شعبية الشعراوي خطرًا عليهم، لأن حب الناس له كان يفوق تأثير أي خطاب سياسي أو ديني صادر عن الجماعة، فقد كان الإمام رمزًا للدعوة الصافية النقية التي لا تتاجر بالدين، بينما الإخوان أرادوا احتكار الحديث باسم الإسلام لخدمة أغراضهم السياسية، ولذلك كانوا يرون في وجوده خصمًا من رصيدهم الجماهيري.
وأوضح البشبيشي أن الجماعة لم تكن ترتاح أبدًا لوجود أي رمز ديني يحظى بحب الناس واحترامهم خارج عباءتها، مشيرًا إلى أن الشعراوي، بأسلوبه الفريد في تفسير القرآن، وبتواضعه الذي أسر القلوب، جعل الناس تلتف حوله وتثق في كلماته أكثر من ثقتها في خطب الإخوان وشعاراتهم، وهو ما اعتبرته الجماعة تهديدًا مباشرًا لمكانتها الدعوية.
وأشار البشبيشي إلى أن الإمام الشعراوي لم يكن من رجال السلطة، لكنه كان وطنيًّا بالفطرة، محبًّا لوطنه وداعيًا لوحدة الأمة واستقرارها، بينما كانت الإخوان تنظر إلى الدين باعتباره وسيلة للوصول إلى الحكم، لا غاية لنشر الفضيلة، والإخوان ليست جماعة دينية خالصة كما تحاول أن تُظهر نفسها، بل هي جماعة سياسية ذات مرجعية دينية، هدفها السيطرة على الدولة عبر استغلال مشاعر الناس الدينية، والشعراوي كان أول من كشف هذا الزيف بذكائه وفطرته السليمة".
فشلهم في منافسته
وقال البشبيشي إن الإمام الشعراوي كان يمتلك ما لا تملكه الجماعة: الصدق والتجرد، كان صوته نابعًا من قلب مؤمن صادق، فدخل قلوب الناس بلا حواجز، بينما كانت خطابات الإخوان تتسم
بالتوجيه الحزبي واللغة السياسية المغلفة بالدين، وهي لغة تفتقد الصدق والروح، لذلك فهم فشلوا في منافسة الشعراوي على حب الشارع المصري، لأن الأخير لم يكن يطلب شيئًا لنفسه، ولم يكن يسعى إلى سلطة أو نفوذ، بل كان يقول دائمًا: "أنا خادم لكتاب الله، ومهمتي أن أوضح للناس معنى كلام الله بقدر ما أفهم"، وكان الشعراوي وفدي الهوى، شديد الإعجاب بالزعيم الوطني الوفدي مصطفى النحاس باشا، لما كان يمثله من رمزية وطنية صادقة في الدفاع عن الشعب المصري، وقد كان هذا الموقف كافيًا لإثارة غضب الإخوان الذين اعتادوا مهاجمة حزب الوفد ورموزه.
وقال البشبيشي: "حين وجد الإخوان أن الشعراوي يميل فكريًا نحو مدرسة الوفد التي كانت تؤمن بالوطنية والحرية، أدركوا أنه لن يكون تابعًا لهم أو أداة في أيديهم، فبدأوا في مهاجمته وتشويه صورته، لكنه لفظهم تمامًا، ورفض فكرهم، وكشف حقيقتهم للناس"، والجماعة حاولت في أكثر من مناسبة تشويه صورة الإمام الشعراوي، ونشر الأكاذيب عنه في دوائر محدودة، متهمة إياه بأنه مقرب من السلطة أو أنه "رجل الدولة"، وهي الاتهامات التي كان القصد منها النيل من مكانته المعنوية لدى المصريين، لكن هذه المحاولات فشلت فشلا ذريعًا، لأن الناس كانت تعرف من هو الشعراوي، وتعرف إخلاصه، وكانت تراه رمزًا للدين الوسطي السمح الذي لا يتلون ولا يتاجر
بالمواقف، وقال: "كلما حاول الإخوان تشويه الإمام الشعراوي، ازداد حب الناس له، لأنهم لمسوا في كلامه الصدق والبساطة، ووجدوا فيه عالمًا حقيقيًا يُحب الله ورسوله ويخدم الناس بعلمه".
مقولته الشهيرة
وأشار البشبيشي إلى أن الشعراوي لم يكن يخشى في الحق لومة لائم، وقد عبّر في حياته عن رأيه في جماعة الإخوان بوضوح، قائلاً مقولته الشهيرة التي تتناقلها الأجيال حتى اليوم: "إنهم لا يسمعون إلا حناجرهم"، في إشارة منه إلى انغلاق فكر الجماعة ورفضها سماع أي صوت يخالفها، حتى لو كان صوت العلماء والدعاة الكبار، مؤكدا أن هذه العبارة تلخص رؤية الشعراوي الدقيقة لطبيعة الإخوان، الذين لا يؤمنون بالحوار أو الاختلاف، بل يحتكرون الحديث باسم الدين، ويعتبرون أنفسهم وحدهم الممثلين للإسلام الصحيح، بينما يرون غيرهم خارج هذا الإطار،
والشيخ الشعراوي، رغم كل الهجوم الذي تعرض له من بعض الأصوات المحسوبة على التيار
الإخواني، لم يرد الإساءة بالإساءة، بل اكتفى بأن يواصل دعوته بالحكمة والموعظة الحسنة، وظل حتى آخر أيامه منارة مضيئة للدين الوسطي الصحيح الذي يجمع ولا يفرق، ويبني ولا يهدم.
وشدد البشبيشي على أن التاريخ أنصف الإمام الشعراوي، وأثبت أن فكره الوسطي الأزهري هو الذي بقي في وجدان الأمة، بينما اندثر فكر الإخوان، وسقطت شعاراتهم بعدما انكشفت حقيقتهم، مؤكدا أن المصريين والعالم العربي كله لن ينسوا للإمام الشعراوي أنه كان صوت الدين النقي في زمن حاولت فيه جماعات الإسلام السياسي احتكار تفسير الدين لمصلحتها، وأنه كان نموذجًا للعالم الجليل الذي يدعو إلى الله على بصيرة، دون تطرف أو تشدد أو مصلحة، فالإمام الشعراوي لم يكن عالمًا فحسب، بل كان مدرسة متكاملة في الإخلاص والصدق، وضميرًا حيًّا للأمة، لذلك سيظل الإخوان وغيرهم من تجار الدين يكرهونه، لأن وجوده فضح زيفهم، وبيّن أن الدين الحق لا يحتاج إلى وسطاء أو جماعات لتسويقه.
جماهيرية طاغية
على السياق ذاته قال طارق أبو السعد، الخبير في شئون الجماعات الإسلامية والتنظيمات المتطرفة، إن الإخوان دأبت على محاربة كل رمز ديني يحظى بشعبية حقيقية في الشارع المصري، لأنها تخشى أن يطغى أي رمز على نفوذها الدعوي أو يخصم من رصيدها الجماهيري، وجماعة الإخوان كانت تكره كل ما هو أزهري وشعبي، لأن رموز الأزهر وفي مقدمتهم الإمام الراحل كانوا يتمتعون بمكانة كبيرة وتأثير عميق في نفوس المصريين، بينما ظلت رموز الإخوان بعيدة عن وجدان الناس، كما أنها كانت ترفض أن يمثل الدين أحد غيرها، رغم وجود مؤسسات دينية رسمية مثل الأزهر الشريف، وكانت تعتقد أن الإسلام يجب أن يُؤخذ من الجماعة وحدها دون سواها، ومن هنا جاء عداؤها للشيخ الشعراوي، الذي كان يمثل نموذجًا للداعية الأزهري الوسطي القريب من الناس، فاعتبرت الجماعة أن جماهيريته تخصم من رصيدها في الشارع المصري.
وأشار أبو السعد إلى أن رموز الإخوان لم تكن ذات خلفية أزهرية، بل كان معظمهم من تخصصات مدنية، لافتًا إلى أن حتى أبرز منظّريهم مثل سيد قطب لم يكن من خريجي الأزهر، بل من كلية دار العلوم، وهو ما جعل خطابهم الديني بعيدًا عن التأصيل الشرعي الأزهري الذي تميز به الشعراوي كأحد أكبر الدعاة في العالم الإسلامي والتى كانت سببًا في كراهية الإخوان له، لأنهم رأوا فيه تهديدًا لاحتكارهم للخطاب الديني، مشيرًا إلى أن الجماعة دائمًا ما اعتبرت نفسها الوصية على الدين والحارسة له.
وتابع أبو السعد قائلاً إن الخلاف بين الشعراوي والجماعة بدأ منذ أربعينيات القرن الماضي، عندما أكد مؤسسها حسن البنا أنه لا يجوز لأي مسلم أن يتبع طريقًا دينيًا خارج إطار الجماعة، وفي المقابل، كان الإمام وفديًّا في ميوله السياسية، يميل إلى حزب الوفد الذي كان يعبّر عن الوطنية المصرية، بينما كانت الإخوان ترفض أي توجه سياسي لا يخضع لتوجيهاتها التنظيمية،
وفي تلك المرحلة كانت تجيد التلون وادعاء الحياد، لكنها في الحقيقة كانت تسعى إلى احتكار الدين، معتبرة نفسها الممثل الشرعي الوحيد له. ومع تصاعد عمليات الاغتيال في الأربعينات
والخمسينيات من القرن الماضي، بدأ الخلاف يتعمق أكثر بين الإمام الشعراوي والجماعة، بعدما أدرك أن فكرها يُسيء إلى الإسلام الحقيقي الذي يدعو إلى الوسطية والرحمة.
كان وفديًا أصيلًا
من نفس الزاوية قال إسلام الكتاتني، المحلل السياسي بقناة اكسترا نيوز، والباحث في شئون الحركات الإسلامية والتنظيمات المتطرفة، إن الخلاف بين الإمام الراحل الشيخ محمد متولي الشعراوي وجماعة الإخوان بدأ منذ أربعينيات القرن الماضي، حين كانت الجماعة ترى في حزب الوفد خصمها السياسي والفكري الأول، بينما كان الشعراوي وفديًا الفكر والهوى، تربى على مبادئ الزعيمين سعد زغلول ومصطفى النحاس، والجماعة كانت تعتبر حزب الوفد "عدوها التاريخي، وترفض أي داعية أو عالم ديني ينتمي إليه أو يتبنى فكره الوطني، وهو ما جعل الإمام، باعتباره أزهريًا ووفديًا في الوقت نفسه، هدفًا لعداء الإخوان منذ بداياته الدعوية.
وأضاف الكتاتني أن الجماعة كانت تنظر بريبة لكل من يجمع بين الوطنية والدعوة، لأن مشروعها كان قائمًا على استبدال الولاء للوطن بالولاء للتنظيم، ومن هنا بدأ التباين بين فكر الشعراوي الوسطي الوطني، وفكر الإخوان القائم على فكرة "السمع والطاعة" للمرشد.
وأشار الكتاتني إلى أن لقاءات الشعراوي الإعلامية الشهيرة، خاصة حواره مع الإعلامي طارق حبيب، كانت تزعج الجماعة بشدة، لأن الإمام الراحل أكد خلالها أن الدين ليس حكرًا على جماعة أو فئة بعينها، وأن الإسلام ملك لكل المسلمين، لا يُحتكر ولا يُتاجر به، فهذه اللقاءات، بحسب الكتاتني كان لها تأثير بالغ في الشارع المصري، إذ وصلت خواطره حول القرآن الكريم إلى جميع طبقات المجتمع، ما جعله أكثر الدعاة تأثيرًا وشعبية في تاريخ مصر الحديث، موضحا أن تلك الشعبية الواسعة أثارت غضب الإخوان، الذين رأوا في الإمام الشعراوي منافسًا خطيرًا يهدد وجودهم الدعوي، فبدأوا في محاولات اغتياله معنويًا عبر الشائعات والاتهامات الممنهجة، لكن تلك المحاولات فشلت أمام محبة الناس له.
وأضاف الكتاتني أن الإمام الشعراوي كان من العلماء الذين رفضوا فكر العنف والتطرف في تسعينيات القرن الماضي، وشارك في بيان علماء الدين الشهير الذي أدان العمليات الإرهابية التي نفذتها الجماعات المتطرفة آنذاك، مشيرا إلى أن الجماعة زادت هجومها على الشعراوي بعد لقائه
بالرئيس الراحل محمد حسني مبارك عقب حادث الاغتيال الفاشل في إثيوبيا، حيث روجت وقتها أنه "من علماء السلطان"، رغم أن الحقيقة أن الشعراوي كان قريبًا من الجميع بحكم مكانته الدينية، لا من أجل مصالح سياسية.
وشدد الكتاتني على أن الإمام كان المنافس الأكبر لجماعة الإخوان في الشارع المصري، لأنه جمع بين الأصالة الأزهرية، والروح الوطنية، والخطاب الديني البسيط المؤثر، فكان صوت الإسلام الحقيقي في مواجهة جماعة أرادت احتكار الدين وتوجيهه لخدمة مصالحها التنظيمية



